ماجدة الطلاوي: ندير مشروعات قومية كبرى مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة.. وكسرنا عقدة الخبير الأجنبي في إدارة المشروعات
أجرى الحوار: وليد السيد
بين جدران المدرجات الجامعية وصخب مواقع التشييد العملاقة، صاغت معادلة نجاح استثنائية امتدت لأكثر من 40 عامًا. فهي ليست مجرد اسم في عالم إدارة المشروعات، بل تُعد “عرّابة” هذا المجال وتطوير الكوادر البشرية في العالم العربي.
نلتقي في حوار خاص لا تنقصه الصراحة مع الدكتورة ماجدة الطلاوي، رئيسة الشركة الاستشارية لإدارة مشروعات التشييد CPM، وأستاذة إدارة المشروعات بالجامعة الأمريكية، والمرأة التي حوّلت الفكر الأكاديمي الصارم إلى مشروعات وقصص نجاح تتحدث عن نفسها على أرض الواقع.
في هذا الحوار، نفتح الصندوق الأسود لقطاع التشييد والبناء، ونستعرض أسرار الإدارة الاستراتيجية، وكيف نجحت في قيادة شركتها إلى قمة الهرم الاستشاري، وما هي روشتة العبور بالاستثمارات العقارية إلى بر الأمان في ظل التحديات الراهنة.
وإلى نص الحوار:
■ في البداية، نود أن نتعرف على الموقف الحالي لقطاع التشييد في مصر؟
قطاع التشييد في مصر يمر اليوم بمرحلة “إعادة الهيكلة والتصحيح الرأسمالي الدقيق”. فبعد سنوات من النمو الكمي الهائل والسرعات الاستثنائية في تنفيذ المشروعات القومية، ننتقل الآن إلى مرحلة الحوكمة والكفاءة التشغيلية.
السوق المصرية اليوم تواجه تحديات حقيقية تتعلق بتذبذب أسعار الصرف وارتفاع تكلفة المواد الخام، لكن هذه التحديات فرزت السوق لصالح الكيانات التي تطبق علم “إدارة المشروعات” الحديث، وليس الإدارة العشوائية.
ونرى أن قطاع التشييد يقود الاقتصاد، وأن التركيز الحالي ينصب على تعظيم المكون المحلي، والتحول الرقمي، وبناء تحالفات قوية قادرة على التصدير للخارج، والتعامل بمرونة مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.
■ تأسست الشركة كمشروع استراتيجي تماشيًا مع خطة الدولة للتنمية الشاملة.. أين تقف الشركة اليوم من صياغة الكود المصري لإدارة المشروعات؟
نحن فخورون بأن خبراتنا الأكاديمية والعملية تمثل حجر الزاوية في هذا الملف، فالشركة الاستشارية والخبراء المشاركون بها يمثلون قوة دفع حقيقية لتطوير وتحديث الكود المصري لإدارة المشروعات، بالتعاون مع المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء.
ولا نكتفي بتبني الأكواد، بل ننقل ممارسات الواقع الحقيقي للمواقع المصرية إلى صياغة الأكواد، لضمان قابليتها للتطبيق الفعلي.
واليوم تقف الشركة كمختبر علمي وعملي لتطوير معايير الجودة والتخطيط، ونسعى جاهدين لأن يصبح الكود مرجعية ملزمة ترفع القدرة التنافسية للشركات الوطنية محليًا ودوليًا.
ونحن الآن لا نعمل في إدارة المشروعات لقطاع التشييد والبناء فقط، بل أضفنا قطاعات أخرى مختلفة، منها إدارة المشروعات الصناعية، وقطاع الأدوية، وشركات الغزل والنسيج، والهيئة العربية للتصنيع، وبعض البنوك الكبرى، ولدينا تعاملات معها وغيرها.
وندير مشروعات قومية وعملاقة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة وغيرها.
كما حصلنا على اعتماد من نقابة المهندسين كاستشاري تصميم واستشاري إشراف على تنفيذ المشروعات.
وقمنا مؤخرًا باستحداث إدارة جديدة، هي إدارة التدريب، مع إعداد قاعات مجهزة داخل المقر الجديد للشركة على أعلى مستوى من التقنية والتكنولوجيا الحديثة.
وأضفنا خدمة جديدة إلى نشاط الشركة، وهي التدريب، حيث نقدم دورات وبرامج متخصصة لتأهيل الكفاءات والكوادر العاملة داخل المؤسسات والشركات المتعاملة معنا، بهدف الارتقاء بمستوى الكوادر في مختلف مجالات إدارة المشروعات، وزيادة الوعي والثقافة بأهمية منظومة إدارة المشروعات.

■ كيف توازن الشركة الاستشارية بين تقديم أرقى مستويات الاستشارات الهندسية وإدارة المشروعات، وبين الحفاظ على التنافسية السعرية في سوق يموج بالتحديات الاقتصادية؟
التنافسية السعرية الحقيقية لا تعني تقليل جودة الخدمة، بل تعني “هندسة القيمة” (Value Engineering)، ومنع الهدر في العمليات التشغيلية.
ومن خلال تطبيق حلول الإدارة الذكية، وتوقع المخاطر قبل حدوثها، ننجح في حماية ميزانية المشروع (Budget) من أي تجاوز.
والمعيار لدينا هو أن تكلفتنا الاستشارية تمثل استثمارًا يسترده المالك أضعافًا مضاعفة، عبر الوفر الذي نحققه له في بنود المشتريات، والالتزام الحرفي بالجدول الزمني، وتجنب غرامات التأخير وأوامر التغيير العشوائية.
■ ما هي الحلول الإلكترونية وأنظمة التحكم الرقمية التي ابتكرتها الشركة لمراقبة المشتريات وضمان عدم انحراف الجداول الزمنية أو الميزانيات المعتمدة؟
اعتمدنا على جيل جديد من أنظمة التحكم الرقمية المدمجة (PMIS)، التي تربط بين برامج التخطيط الزمني مثل Primavera P6 ولوحات التحكم الفورية Power BI لمراقبة التدفقات النقدية والمشتريات لحظة بلحظة.
وطورنا نظام إنذار مبكر رقمي (Early Warning System) يتنبأ بأي انحراف في أسعار التوريدات أو معدلات الإنجاز بالموقع قبل وقوعه بـ30 يومًا على الأقل، بما يتيح لمتخذ القرار تعديل خطط التوريد أو استبدال المواد بالبدائل المعتمدة، دون المساس بالمسار الحرج (Critical Path) للمشروع.
■ كيف تضمن الدكتورة ماجدة الطلاوي، بخبرتها الأكاديمية والدولية، تطبيق معايير (PMI) الأمريكية بدقة ومرونة تلائم خصوصية بيئة العمل المصرية؟
علم إدارة المشروعات ليس قالبًا جامدًا؛ فمعايير المعهد الأمريكي لإدارة المشروعات (PMI) تضع المبادئ، والمهارة تكمن في “تمصير المنهجية” (Localization of Methodology).
وبيئة العمل المصرية تعتمد بشكل كبير على العلاقات الإنسانية، وإدارة المقاولين من الباطن، والحلول المرنة والسريعة.
ونحن نطبق ضوابط PMI الصارمة في حسابات التكلفة والزمن والجودة، لكننا نتسم بمرونة فائقة في إدارة أصحاب المصلحة (Stakeholder Management) وإدارة التغيير، بما يمنع البيروقراطية ويحافظ على روح القيادة المرنة في مواقع العمل المصرية.
■ حجم المشروعات التي تشرف عليها وتديرها الشركة ضخم للغاية ويتجاوز عشرات المليارات.. ما الفلسفة الإدارية التي تتبعونها لضمان صفر أخطاء في مشروعات حيوية مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة؟
فلسفتنا تقوم على مبدأين: الحوكمة الصارمة والإدارة الاستباقية للمخاطر (Proactive Risk Management).
وفي المشروعات القومية العملاقة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، لا توجد رفاهية للخطأ أو التأخير العشوائي.
ونقسم المشروعات الضخمة إلى حزم عمل مستقلة تُدار من خلال مكاتب إدارة المشروعات (PMO)، مع تطبيق نظام تدقيق هندسي وميداني ثلاثي المستويات (Triple-Tier Checking System)، يبدأ من مهندس الموقع، ويمر باستشاري ضبط الجودة، وينتهي بلجنة الاعتماد العليا بالشركة.
وصفر أخطاء ليس ضربة حظ، بل نتيجة تخطيط دقيق ومنظومة رقابية متكاملة.
■ كيف تحمي الشركة الاستشارية أطراف معادلة التشييد (المالك والمقاول) من مخاطر تذبذب أسعار الصرف ومواد البناء من خلال إدارة التعاقدات والمناقصات؟
نحن نؤمن بأن استقرار المشروع يعتمد على عدالة العقد، ولذلك نلجأ إلى صياغة عقود متوازنة ومرنة تستند إلى أحدث نظم الفيديك (FIDIC).
كما نُدخل معادلات تغير الأسعار (Price Adjustment Formulae) بدقة في صلب التعاقدات والمناقصات، لتشمل نسب التذبذب في المواد الأساسية، مثل الحديد والأسمنت.
وهذا يحمي المقاول من التعثر أو الإفلاس، ويحمي المالك من توقف المشروع بصورة مفاجئة.
ودورنا هنا هو دور صمام الأمان والوسيط العادل، الذي يضمن استمرارية الأعمال بأقل خسائر ممكنة للطرفين.
■ هل نجحت الشركة في خلق “بصمة وطنية” للاستشارات قادرة على منافسة المكاتب الاستشارية الأجنبية والدولية داخل مصر؟
بكل ثقة، نعم.
لقد كسرنا عقدة الخبير الأجنبي في إدارة المشروعات.
فالبصمة الوطنية للشركة لا تقل كفاءة عن أي مكتب دولي، بل تتفوق عليه لأننا نمتلك فهمًا عميقًا لثقافة السوق المحلي، وطبيعة العمالة، وجغرافية التنفيذ، والموردين في مصر، وهي أمور يفتقدها الاستشاري الأجنبي.
وعندما تدمج أعلى المعايير الأكاديمية العالمية التي نُدرّسها مع الفهم الحقيقي لبيئة التنفيذ على أرض الواقع، فإنك تحصل على كفاءة وطنية خالصة توفر ملايين الدولارات من العملة الصعبة التي كانت تذهب إلى المكاتب الأجنبية.
■ ما المنهجية التي تتبعها شركتكم لإعادة هيكلة وتطوير أداء الشركات التابعة للشركة القابضة للتشييد والتعمير لتمكينها من استعادة الريادة؟
منهجيتنا تقوم على التحول المؤسسي الشامل والتأهيل البشري والفني.
فالشركات التابعة تمتلك أصولًا وتاريخًا عريقًا، لكنها تحتاج إلى تحديث الآليات.
ونبدأ أولًا بهندسة العمليات (Business Process Re-engineering)، لإلغاء التداخل في الاختصاصات، ثم إنشاء مكاتب إدارة مشروعات مستدامة (PMOs)، مع تطبيق نظم التحول الرقمي وميكنة التوريدات والمخازن.
فالريادة تعود عندما تتحول هذه الشركات من مجرد منفذ للمشروعات إلى كيانات تُدار بعقلية استثمارية تنافس القطاع الخاص.



