حوار الطاقة والسياسة الاقتصادية: المهندس عبدالله غراب يفكك شفرات قطاع البترول والثروة المعدنية في مصر
غراب: الشريك الأجنبي يقود الاستكشاف لامتلاكه التمويل الضخم والتكنولوجيا المتقدمة
أجرى الحوار – وليد السيد
يمثل قطاع البترول والثروة المعدنية العمود الفقري للاقتصاد القومي المصري، والمحرك الأساسي لخطط التنمية المستدامة. وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة وتحولات الطاقة العالمية، يبرز السؤال الأهم: كيف توازن مصر بين تعظيم إنتاجها المحلي وتأمين احتياجات سوقها الضخم، وبين الوفاء بالتزاماتها الدولية تجاه الشركاء الأجانب والتحول الأخضر؟
ولإيجاد إجابات حاسمة ورؤية تحليلية ثاقبة، التقينا المهندس عبدالله غراب، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق، وأحد القامات التي عاصرت أدق تفاصيل هذا القطاع. في هذا الحوار الشائك، يضع الوزير الأسبق النقاط على الحروف؛ حيث يرى أن البنية التحتية لمصر هي «الورقة الرابحة» التي تضمن بقاءها كمركز إقليمي للطاقة، مؤكدًا أن جدولة مستحقات الشركاء الأجانب وضخ استثمارات جديدة في الحقول المتقادمة هما مفتاح زيادة الإنتاج. كما يتطرق غراب بجرأة إلى ملف تحرير أسعار الوقود، معتبرًا آلية التسعير التلقائي صمام أمان للموازنة العامة، بينما يطرح رؤية طموحة لقطاع الثروة المعدنية والبتروكيماويات لتعظيم القيمة المضافة بدلًا من تصدير المواد الخام.
وإلى نص الحوار:
المحور الأول: تحول قطاع النفط والغاز في مصر
كيف تقيمون الطفرة التي شهدتها مصر في قطاع الغاز الطبيعي وتحولها إلى مركز إقليمي للطاقة؟
المهندس عبدالله غراب: الطفرة التي تحققت في قطاع الغاز خلال السنوات الأخيرة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة ترسيم الحدود البحرية والاستكشافات الكبرى في البحر المتوسط، مثل حقل «ظهر». وتحول مصر إلى مركز إقليمي هو اعتراف بواقع جغرافي وفني؛ فمصر تمتلك شبكة قومية للغاز ومحطات إسالة فريدة تجعلها المنفذ الوحيد والأكثر جدوى اقتصاديًا لغاز شرق المتوسط المتجه إلى أوروبا. هذا التحول منح الدولة ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا عالميًا.
ما رؤيتكم لملف الشركاء الأجانب وحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المطلوبة حاليًا في قطاع البترول؟
المهندس عبدالله غراب: الشريك الأجنبي هو المحرك الأساسي لعمليات البحث والاستكشاف نظرًا لضخامة التكلفة والتكنولوجيا المطلوبة. القطاع يحتاج حاليًا إلى تدفقات استثمارية لا تقل عن 10 إلى 15 مليار دولار سنويًا للحفاظ على معدلات الإنتاج وتنميتها. والرؤية الصحيحة تتطلب استمرار بناء الثقة، وتقديم حوافز استثمارية مرنة في الاتفاقيات البترولية لتشجيع الشركات العالمية على التنقيب في المياه العميقة والمناطق البكر.
كيف يمكن لمصر تعظيم الاستفادة من البنية التحتية لإسالة الغاز، مصنعي إدكو ودمياط، في ظل التحولات العالمية؟
المهندس عبدالله غراب: مصنعا «إدكو ودمياط» يمثلان ميزة تنافسية لا تمتلكها أي دولة أخرى في المنطقة. وتعظيم الاستفادة منهما يتطلب الإسراع في استقبال الغاز من دول الجوار، مثل قبرص وإسرائيل، وإعادة إسالة هذا الغاز وتصديره. يجب أن نعمل بكامل الطاقة الاستيعابية لهذين المصنعين، وتحويل مصر إلى منصة تسييل رئيسية في حوض المتوسط، مما يضمن تدفقات مستمرة بالعملة الأجنبية وخلق قيمة مضافة حقيقية.
ما أبرز التحديات التي تواجه زيادة معدلات الإنتاج المحلي من حقول الزيت والغاز حاليًا؟
المهندس عبدالله غراب: التحدي الأكبر هو «التقادم الطبيعي» للحقول القائمة وانخفاض إنتاجيتها، وهو أمر طبيعي عالميًا. ولمواجهة ذلك، نحتاج إلى تطبيق تكنولوجيا متطورة للاستخراج المحفز للإنتاج (EOR). والتحدي الثاني هو سرعة ربط الاكتشافات الجديدة بالشبكة لتغطية الفجوة، بالإضافة إلى ضرورة خفض تكلفة الإنتاج وتذليل العقبات البيروقراطية أمام الشركات العاملة في مواقع الامتياز.
المحور الثاني: ملف الدعم والطاقة والسياسات الاقتصادية
بصفتكم وزيرًا سابقًا، كيف ترون خطط تحرير أسعار الوقود وتوجيه الدعم لمستحقيه؟
المهندس عبدالله غراب: تحرير أسعار الوقود كان قرارًا حتميًا وشجاعًا تأخر لعقود. الدعم العيني للوقود كان يستنزف موارد الدولة ويذهب إلى غير مستحقيه، ويشجع على الاستهلاك المفرط والتسريب. والتوجه الحالي نحو ربط الأسعار بالتكلفة الفعلية يصحح الهيكل الاقتصادي، بشرط أن يواكب ذلك التوسع في شبكات الحماية الاجتماعية النقدية، مثل «تكافل وكرامة»، لدعم الفئات الأكثر احتياجًا بشكل مباشر وذكي.
ما الأثر الاقتصادي لآلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية على الموازنة العامة للدولة؟
المهندس عبدالله غراب: آلية التسعير التلقائي هي صمام أمان يحمي الموازنة العامة من الهزات العنيفة الناتجة عن تذبذب أسعار النفط العالمية وسعر الصرف. هذه الآلية رفعت عن كاهل الدولة عبء التنبؤ بأسعار النفط، وجعلت العجز في الموازنة تحت السيطرة، مما يسمح بتوجيه الموارد المالية نحو قطاعات حيوية أخرى، كالتعليم والصحة.
كيف تنظرون إلى إشكالية الموازنة بين سداد مستحقات الشركاء الأجانب وتوفير احتياجات السوق المحلية؟
المهندس عبدالله غراب: هذه هي المعادلة الأصعب والأدق في إدارة القطاع. توفير احتياجات السوق المحلية ومحطات الكهرباء أولوية للأمن القومي، لكن تأخير سداد مستحقات الشركاء يؤدي إلى تباطؤ استثماراتهم وتراجع الإنتاج على المدى الطويل. والحل يكمن في وضع «جدولة زمنية مرنة وملتزمة» للسداد، وضخ جزء من حصة مصر من الغاز المصدر مباشرة لسداد المديونيات، مما يضمن استمرارية الثقة والإنتاج معًا.
المحور الثالث: التحول الرقمي والطاقة النظيفة
ما تقييمكم لخطط التحول الرقمي وإدخال التكنولوجيا الحديثة في إدارة الحقول وتكرير البترول؟
المهندس عبدالله غراب: التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل هو أساس لرفع كفاءة التشغيل وخفض التكاليف. ومشروع «بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج» (EUG) كان نقلة نوعية تتيح البيانات الجيولوجية للشركات العالمية رقميًا. أما في مصافي التكرير، فالأنظمة الرقمية الحديثة تسهم في مراقبة العمليات بدقة، ومنع الهدر، ورفع جودة المنتجات البترولية، وتسريع اتخاذ القرار بناءً على بيانات لحظية دقيقة.
كيف يواجه قطاع البترول المصري معايير خفض الانبعاثات الكربونية والتحول نحو الطاقة الخضراء؟
المهندس عبدالله غراب: القطاع يتبنى استراتيجية جادة تتماشى مع التوجهات العالمية ومخرجات مؤتمر المناخ COP27. ويتم العمل حاليًا على مشروعات خفض انبعاثات الشعلة (Flare Gas Recovery)، وتحسين كفاءة الطاقة داخل المنشآت البترولية. ونتحول تدريجيًا إلى دمج مصادر الطاقة المتجددة، الشمسية والرياح، لتوليد الكهرباء في مواقع الإنتاج بالصحراء، مما يقلل من البصمة الكربونية للبراميل المنتجة.

هل ترون أن الهيدروجين الأخضر يمثل منافسًا أم مكملًا لصناعة الغاز الطبيعي في مصر مستقبلًا؟
المهندس عبدالله غراب: الهيدروجين الأخضر هو مكمل استراتيجي وليس منافسًا. والعالم سيعتمد على الغاز الطبيعي كـ«وقود انتقالي» لعدة عقود قادمة. ومصر تمتلك البنية التحتية والموقع الجغرافي المؤهل لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر. والدمج بين الصناعتين يعزز مكانة مصر كمركز عالمي للطاقة بمختلف أنواعها، التقليدية والنظيفة، ويفتح أسواقًا جديدة للتصدير، خاصة نحو أوروبا.
المحور الرابع: الثروة المعدنية والتصنيع البتروكيميائي
ملف الثروة المعدنية بحاجة إلى قوة دفع جديدة، فما التعديلات التشريعية أو الاستثمارية التي تنقص هذا القطاع؟
المهندس عبدالله غراب: قطاع الثروة المعدنية يمتلك إمكانات هائلة لم تُستغل بالكامل بعد. والتعديلات التشريعية الأخيرة على قانون الثروة المعدنية كانت خطوة جيدة للتحول من نظام المشاركة في الإنتاج إلى نظام الإتاوة والضرائب، وهو ما يفضله المستثمر التعديني.
لكن ما ينقصنا هو تيسير إجراءات التراخيص، وسرعة تخصيص الأراضي، وتوفير خرائط جيولوجية رقمية دقيقة ومحدثة للمناطق الواعدة، وفصل نشاط المنظم، أي الجهة الرقابية، عن المشغل، أي الشركات.



