د. علي الدكروري: من أمن الطاقة إلى أمن الاستثمار.. كيف تحمي اقتصادات الشرق الأوسط نفسها من صدمات الجغرافيا السياسية؟
بقلم: د. علي الدكروري
خبير الاستثمار والاستشارات الاستراتيجية الدولية
لم تعد الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تقتصر على أبعادها السياسية والأمنية فقط، بل امتد تأثيرها المباشر إلى حركة رؤوس الأموال، وتكاليف الإنتاج، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية. ونتيجة لهذه التحولات، لم يعد المستثمر الدولي يكتفي بتقييم العائد المالي المتوقع للمشروع، بل بات يعطي الأولوية لمدى قدرة هذا المشروع على الاستمرارية والصمود في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تفرض المرحلة الحالية الانتقال من المفهوم التقليدي المقتصر على «أمن الطاقة» إلى مفهوم أكثر شمولًا هو «أمن الاستثمار»، وهو المفهوم الذي يربط بين استقرار إمدادات الطاقة، وحماية الملاحة والتجارة، وتنويع مصادر الإنتاج والتمويل، ورفع مرونة الاقتصادات الوطنية أمام الصدمات المفاجئة.
اضطرابات الملاحة وتكلفة الجغرافيا: انخفاض العبور بقناة السويس 70% وارتفاع الطن-ميل 5.9%
تُظهر أحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» حجم التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن اضطرابات الممرات البحرية الاستراتيجية.
وأشار تقرير النقل البحري العالمي لعام 2025 إلى انخفاض حمولة السفن العابرة لقناة السويس في مايو 2025 بنسبة 70% مقارنة بمستويات عام 2023، نتيجة التوترات في البحر الأحمر واضطرار السفن إلى الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح.
وفي السياق ذاته، شهد حجم النقل البحري العالمي، مقاسًا بالطن-ميل، نموًا بنسبة 5.9% خلال عام 2024، نتيجة الإبحار لمسافات أطول، رغم عدم نمو حجم التجارة البحرية الفعلي بالنسبة نفسها.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في ضوء أن التجارة المنقولة بحرًا تمثل أكثر من 80% من إجمالي حجم التجارة العالمية، ما يوضح خطورة أي اضطراب في هذه الشرايين اللوجستية.
ولا تقف تكلفة اضطراب الملاحة عند حدود تراجع أعداد السفن، بل تمتد إلى زيادة استهلاك الوقود، وارتفاع أقساط التأمين البحري وأجور النقل، وتأخر وصول السلع ومدخلات الإنتاج. وبالتالي، أصبحت سلامة الممرات البحرية عنصرًا حاسمًا في القرارات الاستثمارية والتخطيط الصناعي.
قناة السويس نموذجًا للتعافي: إيرادات تبلغ 4.67 مليار دولار ونمو شهري يناهز 27%
تُعد قناة السويس نموذجًا عمليًا يبرز العلاقة المباشرة بين الاستقرار الإقليمي والأداء الاقتصادي ومعدلات التدفق الدولاري.
ووفقًا لتصريحات رئيس هيئة قناة السويس في يونيو 2026، ارتفعت إيرادات القناة خلال العام المالي 2025/2026 بنسبة 23% لتبلغ نحو 4.67 مليار دولار، بالتزامن مع زيادة حركة السفن العابرة بنسبة 10%.
كما سجلت القناة خلال أغسطس 2026 عبور 1,358 سفينة، بنمو سنوي بلغ 27%، لترتفع الإيرادات الشهرية إلى 567.1 مليون دولار، مقارنة بنحو 326 مليون دولار خلال الشهر نفسه من العام السابق.
وتؤكد هذه الأرقام أن عودة التدفقات الملاحية إلى مساراتها الطبيعية لا تنعكس فقط في صورة إيرادات مباشرة للقناة، بل تسهم أيضًا في تنشيط منظومة واسعة من الخدمات البحرية واللوجستية والتجارية المرتبطة بشبكة النقل الدولي.
أمن الطاقة يتجاوز الموارد: توقعات بتراجع الطلب العالمي بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًا
تثبت المعطيات الحديثة أن مجرد امتلاك الاحتياطيات النفطية أو الغازية لا يكفي لضمان الأمن الاقتصادي للدول، لا سيما إذا كانت تعتمد على منفذ تصدير واحد أو تواجه عقبات لوجستية وتأمينية.
وفي تقريرها الصادر في سبتمبر 2026، توقعت وكالة الطاقة الدولية تراجع الطلب العالمي على النفط بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًا خلال العام، نتيجة الاضطرابات المؤثرة في تدفقات الإمدادات والأسواق.
ويكشف هذا التراجع أن الأزمات الجيوسياسية لا تؤدي بالضرورة إلى قفزات في الأسعار، بل قد تتسبب أيضًا في انكماش النشاط الاقتصادي واضطراب مستويات الاستهلاك.
ومن هنا، يتطلب تحقيق أمن الطاقة الحقيقي تنويع مسارات ومصادر الإمداد، وتوسيع القدرات التخزينية ورفع كفاءة البنية التحتية، إلى جانب التوسع المتوازن في حلول الطاقة البديلة والمستدامة.
إعادة تقييم الاستثمار: إدراج اختبارات الضغط الجيوسياسي في دراسات الجدوى
استنادًا إلى خبرة ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود في مجالات الاستثمار والمشروعات الهندسية والصناعية، أرى أن معايير تقييم الفرص الاستثمارية شهدت تحولًا جوهريًا.
فلم يعد المستثمر المالي يكتفي بتحليل حجم السوق أو الحوافز الضريبية ومعدل العائد الداخلي (IRR)، بل أصبحت أولوياته تشمل استقرار إمدادات الطاقة وأسعارها، وتكاليف الشحن والتأمين ومدى توافر سلاسل الإمداد، فضلًا عن مرونة الوصول إلى الأسواق وتنوع الموردين.
ومن هذا المنطلق، فإن المشروع الصناعي الذي يحقق عائدًا مرتفعًا، لكنه يعتمد على مصدر وحيد للطاقة أو النقل، يُعد أكثر مخاطرة من مشروع آخر بعائد معتدل وبنية تشغيلية مرنة.
لذلك، أصبحت «اختبارات تحمل المخاطر الجيوسياسية» ضرورة ملحة ضمن دراسات الجدوى، لضمان قدرة المشروعات على الاستمرار والعمل في ظل مختلف الظروف والتطورات الإقليمية والدولية.
مثلث التكامل الإقليمي (مصر – السعودية – الإمارات): مشروع بقدرة 3000 ميجاوات ونموذج للمرونة
تمتلك مصر والإمارات والسعودية مقومات استراتيجية تؤهلها لبناء نموذج أكثر صمودًا للتكامل الاقتصادي في مواجهة التحديات.
وتستفيد مصر من موقعها الجغرافي المحوري بين البحرين الأحمر والمتوسط، وقاعدتها الصناعية وسوقها الاستهلاكية الواسعة، فيما تتمتع الإمارات بمكانة مركز مالي ولوجستي عالمي وشبكات تجارة دولية متقدمة، بينما تستند السعودية إلى ثقلها الصناعي والمالي وقدراتها الرائدة في قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة به.
وتتجلى المبادرات العملية لهذا التكامل في مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي، بقدرة مستهدفة تبلغ 3000 ميجاوات، والذي يمثل نموذجًا للبنية التحتية القادرة على تعزيز مرونة تبادل الطاقة بين الأسواق.
غير أن نجاح هذا التكامل الاقتصادي لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بمخرجاتها التنفيذية، وفي مقدمتها المشروعات التشغيلية الفعلية، وحجم القيمة المضافة المحلية، وفرص العمل المباشرة، وزيادة معدلات التصدير.



